أنت تتصفح> الرئيسية
اشترك في الخلاصات RSS

لماذا انحنيت ؟

فبراير 4th, 2010 | لاتعليقات | كتب في من هنا وهنـاك ،

2004_img-1381

هذه القصيدة لجابر قميحة من أروع القصائد التصويرية التي قرأتها ، وهي تحكي حوار بين أب أوصى ابنه أن يحافظ على أملاكه وثرواته ولا يبيعها لعدو طمع في المال ، ولكن الأب مات .. ولم تنفذ وصيته جيداً ، وباع ابنه أملاك أبيه وأجداده .. فكأنه أتاه في المنام كي يستعتبه ويلومه .

وكأن الشاعر ـ باعتقادي ـ يلمح إلى واقع الأسرة الفلسطينية الفقيرة التي يراودها اليهود على أرضها وترابها !

* * *


أَلمْ أُوصِكَ الأمْسَ قَبْلَ الممَاتِ
فَأيْنَ وَصَاتِي الَّتِي مَا وَعَيْتْ؟
وَفِيهَا كَتبْتُ: “تَزُولُ الجِبَالُ
ولا تَنْحنِي أَبَدًا” فَانْحَنَيْتْ
وَفِيهَا “سَتَعْصفُ هُوجُ الرِّيَاحِ
فَكُنْ قِمَةً صُلْبَةً” فَانْحَنَيْتْ

وَفِيهَا “سَيمتدُّ لَيلُ الأسَى
فَلا تَبْتَئِسْ بالأسى” فَانْحَنَيْتْ

وَفِيهَا “يَكُونُ جَفَافٌ وَجُوعٌ
فَمُتْ بِالطَّوَى شَامِخًا” فَانْحَنَيْتْ

وَفِيهَا “انتَصِرْ بِالثباتِ العَتِيِّ
وَبِالصَّبْرِ فِي عِزَةٍ” فَانْحَنَيْتْ

وَقُلْتُ تَجَنَّبْ مَخَازِيَ الطّرِيقِ
ولكنْ لخزي “الطريقِ” انتَهَيْتْ

وعَانقْتَ فيه الأفاعي الكبارَ
ومِن سُمِّها – يا غبيُّ– ارتويْتْ

فَأين وصاةُ أبِيكَ الَّذي
إلى دفْء مُهجتهِ قدْ أَوَيْتْ؟

وكَمْ سهرَ الليلَ يَحمِي حِماكَ
وَيبكِي دماءً إذَا ما بَكَيْتْ

ويَحملُ عنْكَ هُمومَ الحَياةِ
ويَرْعَى الذي بعدَهُ مَا رَعَيْتْ

عَصيتَ وَصَاتِي التي صُغْتُها
بدمِّي، وللمُخزياتِ مشيْتْ

وكُنْتُ أَظُنُّكَ نعمَ الوريثُ
فكيفَ تَبيعُ الذي مَا اشتريْتْ؟

فبعْتَ جَوادِي الأصيلَ الكريمَ
وأُمًّا، وأُخْتًا، وأَرْضًا، وبَيْتْ

وشعرِي بعْتَ، ونخْلِي بعْتَ
وسيْفِي، ورُمْحِي، وسرْج الكُمَيْتْ

وبعْتَ سريرِي الذي فوقَهُ
وُلدْتَ، وكمْ نمْتَ حتى اسْتَوَيْتْ

للصٍّ بَغِيٍّ، عُتُلٍ، زَنِيمٍ
على قدميه – خَسئْتَ – ارتميْتْ

لِتَلْثَمَ نعْليه في ذِلَّةٍ
وتَلْعَقَ طِينهمَا.. مَا استَحَيتْ

فكيفَ تَبيعُ التراثَ العزيزَ
بكِسْرَةِ خبزٍ، ونقطةِ زَيتْ؟!

وتاجٍ من الشوكِ يُدمي الجبينَ
ووعدٍ كذوبٍ، و”كِيْتٍ، وكيْتْ”؟!

وعرشٍ حقيرٍ، لهُ لمْعةٌ
من البهرجاتِ.. إليهِ ارتقيْتْ؟

ولمْ تدْرِ أنَّكَ حين اعتليْتْ
هَبطْتَ بمَا أنْتَ فيهِ اعتليْتْ

وفي موكبِ الذُلِّ صرْتَ الأميرَ
ذليلاً، كسيحَ المسارِ، مشيْتْ

فلا تمْلكُ الأمرَ إمَّا تَشَا
ولا النهيَ تملكُ إمَّا نويْتْ

وتصدعُ بالأمرِ إمّا أُمِرْتَ
وينفذُ أمْرُ العِدا إن نهيْتْ

فلمَّا سكرْتَ بخمر الخِداعِ
ومالتْ بكَ الخمرُ لما انتشيْتْ

غدوْتَ لغيرِكَ أضحوكةً
فليسَ سوى الخُسْرِ ما قدْ جَنيْتْ

وقلْنَا “اكتفيْتَ بما قدْ جَمعْتَ
مِن العَارِ”، لكنما ما اكتفيْتْ

فعن قوسِ أعدائنا قد رَمَيْتَ
فواحسرتاهُ على من رَمَيْتْ!!

بسهمكَ خرَّ عزيزٌ أَبِيُّ
بجمرِكَ قلبًا طهورًا.. كَوَيْتْ

أتحمِي حياةَ العدوِّ العقورِ
وأيضًا تُراثِي لهم قدْ حميْتْ؟!

أأبكِي عليكَ؟ أأبكِي إليكَ؟
أأبكِي علينَا لِمَا قدْ جَنيْتْ؟

ففي غدِكَ المُستباحِ الجريحِ
ستصرخُ “ياليتني ما انحنيْتْ”

ويرتدُّ سهمُك في مُقلتيكَ
ولن يُنقذَ البيتَ آلاف “لَيْتْ”

فليس لما قدْ كسرْتَ انجبارٌ
بما قد جررْتَ، وما قدْ غويْتْ

وتُدْركُ – بعدَ فواتِ الأوانِ
بأنكَ لمَّا انْحَنَيْتَ.. انْتَهَيْتْ

ومَا دُمْتَ قدْ بعْتَ حتَّى الحُطامَ
ولم تُبْقِ أُمًّا، وأرضًا وبيْتْ

فإنِّي أخشي غدًا أنْ تبيعَ
عِظَامِي، وقبرًا بِهِ قدْ ثويْتْ .

للشاعر جابر قميحة

والقصيدة سبق وأن أنشدها المبدع مشاري العرادة .

للتحميل … الوصلة في الاسفل

لماذا انحنيت

الثناء الصادق ـ تأملات

مايو 14th, 2009 | 3 تعليقات | كتب في من هنا وهنـاك ،

280950

الثناء الصادق المعتدل مما يشعر الإنسان بقيمته , ويهزه إلى المكارم هزاً , فيقوده إلى الصفح , والعفو , و إحسان الظن , والبذل .

كما أنه دليل على كرم سجية المُثْنِي , وعلى بعده عن الأثرة والشح ؛ فهو من قبيل الكلمة الطيبة , و الكلمة الطيبة صدقة .

كما أن له ارتباطاً بخلق كريم ألا وهو الاعتراف للمحسن , وعدم غمطه حقه , ولا ريب أن هذه المعاني من أعظم ما يرتقي بالمشاعر , وينهض بالهمم , ويحفظ للناس أقدارهم , وينأى بهم عن السفاسف و المحقرات .

بل إن كرام الناس إذا مدحوا أبت لهم هممهم أن يكونوا دون ما مدحوا به .

بل إن الثناء الصادق مما تنشرح له صدور العظماء , ويشعرهم بصواب ما هم عليه , ويقودهم إلى مزيد من الخير و الإحسان , ويسد عليهم باب الكسل الذي يواجههم به المخذِّلون , و المبالغون في النقد .

ولهذا سلكت هداية القرآن الكريم هذا المهيع , فكم هي الآيات التي ورد فيها الثناء من الرب الكريم جل وعلا على بعض عباده الصالحين ؟

إنها كثيرة جداً , منها قوله تعالى  في الثناء على نوح  عليه السلام  : ( ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ) الإسراء : 17 .

وقوله  تعالى  في حق إبراهيم  عليه السلام  : ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ ) هود : 75 .

وقوله في حق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم : (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ “4″) القلم .

أما السنة النبوية فحافلة بهذا المقام ؛ ولو ألقيت نظرة في دواوينها , وفي كتب المناقب منها على وجه الخصوص لرأيت عجباً , وإليك هذين المثالين فحسب : جاء في صحيح البخاري عن عمرو بن تغلب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بمال , أو بسبي فقسمه , فأعطى رجالاً وترك رجالاً , فبلغه أن الذين ترك عتبوا ؛ فحمد الله , ثم أثنى عليه ثم قال : ( أما بعد , فوالله إني لأعطي الرجل , وأدع الرجل , والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي , ولكن أعطي أقواماً لما أرى في قلوبهم من الجزع و الهلع , وأَكِل أقواماً إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغني و الخير , منهم عمرو بن تغلب ) فوالله ما أحب أن لي بكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حمر النعم .

فانظر إلى هذا الثناء , وانظر إلى أثره في نفس عمرو بن تغلب رضي الله عن حتى استغنى أن يطلب مالاً ؛ فكانت هذه الكلمة أحب إليه من حمر النعم , وهي أَنْفَسُ ما تملكه العرب .

وجاء في الصحيحين من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال : ( كان الرجل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتمنيت أن أرى رؤيا ؛ فأقصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم , وكنت غلاماً شاباً , وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني , فذهبا بي إلى النار , فإذا هي مطوية كطي البئر , وإذا لها قرنان , وإذا فيها أناس قد عرفتهم ؛ فجعلت أقول : أعوذ بالله من النار , قال : فَلَقِيَنا ملك آخر , فقال لي لم تُرَعْ .

فقصصتها على حفصة , فقصَّتْها حفصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( نعم الرجل عبدالله لو كان يصلي من الليل ) .

فكان عبدالله بَعْدُ لا ينام الليل إلا قليلاً .

فهذه أمثلة يسيرة من السنة , و المقام لا يحتمل الإطالة في ذلك , وإنما هي إشارات يتبين من خلالها أن الثناء الصادق سنة متبعة , وأن له آثاره الحميدة .

ولهذا تتابع السلف الصالح على هذا الخلق النبيل , فلو نظرنا في سير أكابرهم لرأينا ذلك واضحاً ؛ فهذا ابن مسعود رضي الله عنه يقول : ( كان معاذ بن جبل أمة قانتاً لله حنيفاً , ولم يكن من المشركين ) تشبيهاً له بإبراهيم الخليل عليه السلام _.

فهذا الثناء من ابن مسعود رضي الله عنه دليل على إنصافه , وزكاء نفسه ؛ فمع أنه من أكابر علماء الصحابة , ومع أنه أسبق إسلاماً وأكبر سناً من معاذ , إلا أنه لم يجد في نفسه عضاضة من الثناء عليه , وإنزاله منزلته اللائقة به .

وهكذا كان شأن الصحابة رضي الله عنهم وبمثل هذا الخلق النبيل سادوا , وارتفعوا , فكانوا خير أمة أخرجت للناس , وكانوا أكثرهم اتفاقاً ووئاماً , وأقلَّهم خلافاً وتفرقاً .

وهكذا درج من جاء بعد الصحابة على هذا المنوال ؛ فهذا الإمام أحمد رحمة الله يقول : ( أتدري مَن الإمامُ ؟ الإمام سفيان الثوري , لا يتقدمه أحد في قلبي ) .

وقال : ( قال لي ابن عيينة : لن ترى بعينك مثل سفيان ) .

وهذا سفيان الثوري رحمة الله  يقول : ( كان إبراهيم بن أدهم يشبه إبراهيم الخليل , ولو كان في الصحابة لكان رجلاً فاضلاً ) .

ويقول أيضاً في ابن المبارك رحمة الله : ( إني لأشتهي أن أكون من عمري كلِّه أن أكون سنة مثل ابن المبارك ؛ فما أقدر أن أكون ولا ثلاثة أيام ) .

وقال علي بن زيد : حدثني عبدالرحمن بن أبي جميل قال : ( كنا حول ابن المبارك بمكة , فقلنا له : يا عالم الشرق حدثنا ـ وسفيان قريب منا يسمع ـ فقال : ويْحَكُم ! عالم المشرق و المغرب وما بينهم ) .

فها هم أفاضل السلف يشهد بعضهم لبعض , ويُثني بعضهم على بعض دونما تحرج أو غضاضة ؛ فماذا كان النتيجة ؟ لقد رفعهم الله جميعاً ؛ وربما كان إعجابنا بالشاهد المادح أعظم من إعجابنا بالمشهود له الممدوح ؛ لأن شهادته لِقِرْنِهِ تدل على ساحة طاهرة , ونفس زكية .

وهذا مما يرقى بالذوق , ويسمو بالهمم , ويرتقي بالمشاعر , ويقضي على روح التشاحن و البغضاء .

قيل لأعرابي : ( من أكرم الناس عِشرة ؟ قال : من إذا قرب منح , وإذا بعد مَدَح , وإن ضويق فسح , فمن ظفر به فقد أفلح ونجح ) .

من ما ينبغي التنبيه عليه مراعاة الفرق بين المديح المنضبط المعتدل الصادق , وبين الإطراء الكاذب الممقوت ؛ كمن يقول في ممدوحه :

ما شــــئت لا ما شــــاءت الأقــــدار             فــــاحكم فأنـــــت الواحــــــد القهـــــــار

وكحال من يقول لما حصل زلزال في مصر في أحد السلاطين :

ما زُلْزِلت مصر من كيد يراد بها         لكنها رقصت من عدله طربا

وكذلك ينبغي مراعاة التوازن في المديح ؛ لأن من الناس من يزيده المديح إقبالاً وجداً ، وفضلاً ونبلاً ، ومنهم من يبعث فيه المديح غروراً ، وطيشاً ، وتيهاً ، وعتواً ، ونفوراً .

وهذا راجع إلى حكمة الإنسان , ومعرفة طبائع النفوس ، وربما كان الفصل بينهما رهينَ كلمة مدح مقدرة أو مبالغ فيها .

وبناءً على ما مضى كله ؛ فلماذا لا نأخذ بهذه الطريقة الحكيمة النبيلة ؟ لماذا لا نأخذ بها إذا وقفنا أمام الناس لنعظهم ؛ فنبدأ بالثناء عليهم ثناءً متزناً ؛ كي نهيئ نفوسهم لقبول ما نقول ؛ إذ لا شيء يهز أعطافهم كالثناء عليهم خصوصاً إذا كان من غريب ؟

وما الذي يضيرنا إذا رأينا إنساناً محافظاً على الصلاة , أو براً بوالديه , أو واصلاً لأرحامه , أو متودداً لجيرانه أن نذكره بعظم هذا العمل , وأن نشكره عليه , ونوصيه بالاستمرار على ذلك ؟

وما الذي يمنعنا إذا رأينا من أحد طلابنا جداً و نشاطاً و أدباً أن نشعره بالرضا و الفرح , و الدعاء ؟

وما الذي يمنعنا إذا رأينا معلماً مخلصاً في عمله , حريصاً على طلابه أن نَشُدَّ على يده , أن نشكره على إخلاصه و حرصه ؟ بدلا من تخذيله , وإشعاره بأنه إنسان ساذَج يقوم بأكثر مما طلب منه .

وما الذي يضيرنا إذا رأينا خطيباً مصقعاً يهز أعواد المنابر , ويحترم عقول المخاطبين , ويحرص على تحرير خطبه , وإلقائها في أثواب ملائمة أن نشكر له صنيعه , ونشعره باستفادتنا منه , وتقديرنا له ؟

وما الذي يضيرنا إذا رأينا أو سمعنا عن طبيب حاذق يتمتع بخلق فاضل , وصبر على مراجعيه , وحرص على سلامتهم و عافيتهم أن نبدي له إعجابنا و شكرنا و دعاءنا ؟

وما الذي يلجم أفواهنا أو أقلامنا أن تشكر صحفياً أو كاتباً على حبه للفضيلة , ودفاعه عنها ؟

ولماذا لا نزجي الشكر والثناء لمسؤول أصدر قراراً فيه نفع للمسلمين , أو فيه فتح لباب خير , أو إغلاق لباب شر ؟

ولماذا لا نعتاد تقديم الثناء , و الشكر لمن أسدى إلينا معروفاً ولو قَلَّ ؟

قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من صنع إليكم معروفاً فكافؤوه فإن لم تجدوا ما تكافؤونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه ) .

وقال  عليه الصلاة والسلام  : ( من صُنع إليه معروفٌ , فقال لفاعله : جزاك الله خيراً فقد أبلغ في الثناء ) .

يقول سفيان الثوري رحمه الله : ( إني لأريد شرب الماء , فيسبقني الرجل إلى الشربة , فيسقينيها ؛ فكأنما دقَّ ضلعاً من أضلاعي لا أقدر على مكافأة لفعله ) .

وقال أبو هاشم الحراني : ( من طباع الكريم وسجاياه رعاية اللقاءة الواحدة , وشكر الكلمة الحسنة الطيبة , و المكافأة بجزيل الفائدة ) .

وبالجملة فباب الثناء و الشكر باب واسع لمن أحسن الدخول فيه , ومسلك جميل للتعبير عن المشاعر , والحفاظ على روح الود , والنهوض بالهمم .

وإن الذي يُلحظ في أحوال بعضنا أنه لا يحفل بهذا المسلك الرشيد , مع أنه سهل ميسور , محمود العواقب , كثير العوائد .

بل إننا مستعدون للنقد , و المجادلة , و الرد أكثر من إستعدادنا للشكر و الثناء الصادق مع أن الثناء الصادق مقتضى العدلِ , بل و الإحسانِ .

والعاقل لا يعدم خصلة خير ينفذ من خلالها إلى قلب من يريد هدايته , أو كسبه , أو تقليل شره , أو زيادة خيره .

بل إن المبادرة بالنقد , و النظر إلى زاوية الخلل ـ إبتداءً ـ قد يكون سبباً لرد الحق , و ذريعة للتمادي في الباطل ؛ فلو أنك بادرت شخصاً بالنقد و الثلب لربما أراك أو أسمعك من سوئه ما لم يكن في حسبانك و لسان حاله يُنشد :

…………………………..          أنا الغريق فما خوفي من البلل

منقول من كتاب ارتسامات في بناء الذات للشيخ د . محمد الحمد .

وإما ينزغنك ـ تأملات

مايو 12th, 2009 | لاتعليقات | كتب في من هنا وهنـاك ،

16924

هذا العنوان ـ كما لا يخفى ـ  جزء من آية من سورة الأعراف , وتمامها ( وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ).
وقبلها قوله تعالى : ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) .
فهاتان الآيتان وصية ربانية عظمى للتعامل مع الأعداء من الإنس و الجن .

ولهما نظير في موضعين من القرآن الكريم , أحدهما : في سورة المؤمنون وهو قوله: ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96) وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ).
والثاني في سورة فصلت , وهو قوله _  تعالى  _  : ( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ  (35) وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (36) ).

والمقصود بيانه ها هنا قوله تعالى في سورة الأعراف : ( وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ … ) الآية .
ولقد تكلم المفسرون رحمهم الله عن هذه الآية الكريمة , فأوضحوا معناها بياناً شافياً .

ومما قيل في ذالك : أن النزغ , و النغز بمعنى واحد , ومعناه : النخس  .
فجاء تعبير القرآن البليغ بكلمة النزغ لما فيها من معنى النغز , و النخس , فكأن الشيطان يأتي بشيء محدَّدٍ ينخسه في الإنسان , وغرزه فيه ؛ ليثيره إلى ما لا يرضي الله عز وجل .

فذلك هو شعور الإنسان بالوسوسة والتثبيط عن الخير , أو الحث والإزعاج إلى الشر ؛  فَأُمر ـ إذا وَجَدَ في نفسه تلك الخواطر ـ أن يستعيذ بالله ؛  فقد ضمن جلا وعلا  له أن يعيذه إذا استعاذ ؛ لأنه هو الذي أمر بهذا , فبذلك تسلم نفسه من أن تغشاها غواشي السوء ؛  فهذا معنى الآية .
وفي ذلك إشارة إلى أن نزغات الشيطان قد تزداد ثورتها في بعض الأحيان إذا صادف من الإنسان غفلة , أو شهوة , أو غضباً , أو فراغاً , أو أيَّ نوع من المثيرات التي تحرك فيه نوازع الشر .
ولهذا يجد الإنسان ذلك من نفسه , حيث تتحرك فيه تلك الدواعي , وتزيد في بعض الأوقات و الأحوال ؛  فجدير به إذا شعر بتلك النزغات أن يفزع إلى الاستعاذة بالله , وألا يستسلم ويسترسل مع تلك الخواطر .
وكما اشتدت وطأة تلك الخواطر فليلجأ إلى الله طالباً منه العوذ , والنجاة .

وليعلم أن اشتداد الوطأة من الشيطان لا يلبث إلا فترة ثم يزول بإذن الله ؛ فليبادر إلى الاستعاذة , وليتئد ويتريث ؛ فلا يُقْدِمُ على ما زيَّنه له الشيطان .

وإذا هممـت بأمر سـوء فاتئد              وإذا هممت بأمر خير فاعجل

ثم إذا ما أغواه الشيطان , وأزله , وأصاب منه , فليستغفر , وليستدرك ما فَرُط منه بالتوبة , و الحسنات الماحية .
وهذا ما أشار إليه قوله عز وجل : ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ).

فهذا علاج رباني لنزغات الشيطان إذا ثارت ثوائرها .

ثم إنه يجدر بالإنسان أن يتقي تلك النزغات قبل حلولها , وذلك بالبعد عن المثيرات التي ينفذ منها الشيطان سواء مثيرات الغضب , أو الشهوة , أو نحوها ؛ فإن مَثَلَ النفوس “”  بما جُبلت عليه من ميل إلى الشهوات , وما أودع  فيها من غرائز تميل مع الهوى حيث مال  “” كمثل البارود , و الوقود , وسائر المواد القابلة للإشتعال ؛ فإن هذه المواد وما جرى مجراها متى كانت بعدةً عما يُشعل فتيلها , ويُذكي أوارها  بقيت ساكنة لا يُخشى خطرُها , و العكس .

وكذالك النفوس ؛ فإنها تظل ساكنة وادعة هادئة,  فإذا اقتربت مما يثيرها , ويحرك نوازعها إلى الشرور من مسموع أو مشموم أو منظور , ثارت كوامنها , وهاجت شرورها , وتحرك داؤها , وطغت أهواؤها .

كما يجمل بالإنسان أن يبتعد عن المثيرات و النوازع التي تحرك شروره فكذلك يجمل به أن يصلح خواطره , وأفكاره , وذلك بتصحيح مسارها , وتوجيهها إلى ما ينفع . والبعد بها عن كل ما يضر .

وللإمام ابن القيم في كتابه الفوائد ص 249 ـ 251 , كلام جميل في هذا الشأن , يقول رحمه الله : ” مبدأ كل علم نظري , وعمل اختياري هو الخواطر و الأفكار ؛ فإنها توجب التصوراتِ , و التصوراتُ تدعو إلى الإراداتِ , و الإراداتُ تقتضي وقوعَ الفعل , وكثرةُ تكراره تعطي العادةَ ؛ فصلاحُ هذه المراتب بصلاح الخواطر والأفكار , وفسادُها بفسادها ؛ فصلاح الخواطر بأن تكون مراقبة لوليها و إلهها , صاعدةً إليه , دائرةً على مرضاته و محابِّه ؛ فإنه _ سبحانه  _  به كل صلاح , ومن عنده كل هدى , ومن توفيقه كل رشد , ومن تولِّيه لعبده كل حفظ , ومن تولِّيه و أعراضه عنه كل ضلال و شقاء ” .

وقال : ” أعلم أن الخطراتِ و الوساوسَ تؤدي متعلقاتها إلى الفكر , فيأخذها الفكرُ , فيؤديها إلى التذكر , فيأخذها التفكر فيؤديها إلى الإرادة , فتأخذها الإرادة فتؤديها إلى الجوارح و العمل , فتستحكم فتصير عادة ؛ فَرَدُّها من مبادئها أسهل من قطعها بعد  قوتها وتمامها .

و معلوم أنه لم يٌعْطَ الإنسان إماتةَ الخواطر , ولا القوةَ على قطعها ؛ فإنها تهجم عليه هجوم النَّفَس , إلا أن قوة الإيمان و العقل تعينه على قبول أحسنها , ورضاه به ، ومساكنته له , وعلى دفع أقبحها , وكراهته له , وأنَفَته منه ” .

إلى أن قال رحمه الله : ” وقد خلق الله سبحانه النفسَ شبيهةً بالرحى الدائرة التي لا تسكن , ولا بد لها من شيء تطحنه ؛ فإن وُضع  فيها حبٌّ طَحَنَتْهُ , وإن وضع فيها تراب أو حصى طحنته ؛ فالأفكار و الخواطر التي تجول في النفس هي بمنزلة الحب الذي يوضع في الرحى , ولا تبقى تلك الرحى مُعَطَّلةً قط , بل لا بد لها من شيء يوضع فيها ؛ فمن الناس من تطحن رحاه حَبَّاً يخرج دقيقاً ينفع به نفسه وغيره , وأكثرهم يطحن رملاً وحصى وتبناً ونحو ذلك ؛ فإذا جاء وقت العجن و الخبز تبيَّن له حقيقة طحينه ” .

وقال رحمه الله :” فإذا دَفَعْتَ الخاطرَ الواردَ عليك اندفع عنك ما بعده , وإن قَبلْتَهُ صار فكراً جوالاً , فاسْتَخْدم الإرادة , فتساعَدَتْ هي  والفكر على  استخدام الجوارح , فإن تعذر استخدامها رجعا إلى القلب بالتمني و الشهوة وتَوجُّهِهِ إلى جهة المراد .

من المعلوم أن إصلاح الخواطر أسهل من إصلاح الأفكار , وإصلاح الأفكار أسهل من إصلاح الإرادات , وإصلاح الإرادات أسهل من تدارك فساد العمل , وتداركه أسهل من قطع العوائد .
فأنفع الدواء أن تشغل نفسك بالفكر فيما يعنيك دون ما لا يعنيك ؛ فالفكر فيما لا يعني باب كل شر , ومن فَكَّر فيما لا يعنيه فاته ما يعنيه , و اشتغل عن أنفع الأشياء له بما لا منفعة له فيه ” .

إلى أن قال : ” و إياك أن تُمَكّن الشيطان من بيت أفكارك وإرادتك ؛ فإنه يفسدها عليك فساداً يصعب تداركه , ويلقي إليك أنواع الوساوس و الأفكار المضرة , ويحول بينك وبين الفكر فيما ينفعك , وأنت الذي أعَنْتَه على نفسك بتمكينه من قلبك , وخواطرك فَمَلَكَها عليك “” .


منقول من كتاب ارتسامات في بناء الذات للشيخ د . محمد الحمد .